الصالحي الشامي

4

سبل الهدى والرشاد

الباب الأول في بعض فوائد قوله تعالى ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصر ) [ الاسراء 1 ] . الكلام على هذه الآية من وجوه : الأول : في سبب نزولها : قال الامام العالم العلامة أبو حيان أثير الدين محمد بن يوسف الغرناطي - بفتح الغين المعجمة وسكون الراء وبالطاء المهملة - في تفسيره المسمى بالنهر : ( سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذكر الاسراء به كذبوه ، فأنزلها الله تعالى ) . الثاني : في وجه اتصال هذه السورة بما قبلها : قال الامام فخر الدين الرازي ، والبرهان النسفي : ( وجه الاتصال بما قبلها أن في تلك السورة ذكر الخليل صلى الله عليه وسلم وذكر أوصافه الشريفة ، وتشريعاته العلية من الحضرة الأزلية ، والامر باتباع ملة الحنيفية ، والاقتداء به في العقائد الدينية ، وفي هذه السورة ذكر من اتبع ملته بالصدق ، وأقام سنته على الحق ، وفي آخر تلك السورة أمر نبيا صلى الله عليه وسلم : ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ) [ النحل 125 ] . وأمره بعد ذلك بالصبر فقال : ( واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكروه ) [ النحل 127 ] والصبر هو التحمل للمكاره ، والتحمل من جملة ما يؤدي إلى التجمل ، ومنه ما ذكر في أول هذه السورة . النهر : لما أمره الله تعالى بالصبر ، ونهاه عن الحزن عليهم ، وأن يضيق صدره من مكرهم ، وكان من مكرهم يشتبه إلى الكذب والسحر والشعر وغير ذلك مما رموه به ، فأعقب الله تعالى ذلك بشرفه وفضله واحتفائه به وعلو منزلته عنده . الشيخ رحمه الله تعالى في مناسباته : ( هذه السورة والأربعة بعدها من قديم ما نزل ، روى الشيخان عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال في سورة بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء : هن من العتاق الأول وهن من تلادي ) . التلاد - بكسر المثناة الفوقية وتخفيف اللام أي مما حفظ قديما ، وهذا وجه في ترتيبها ، وهو اشتراكها في قدم النزول وكونها مكيات ، وكلها مشتملة على القصص . وظهر لي في وجه اتصالها بسورة النحل أنه سبحانه وتعالى لما قال في آخرها : ( إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ) [ النحل 124 ] . فسر في هذه السورة شريعة أهل السبت وشأنهم ، فذكر فيها جميع ما شرع لهم في التوراة . كما روى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : ( التوراة كلها في خمس